
عندما تسير في الشوارع السورية –العاصمة على وجه الخصوص- تتهافت إلى اسماعك من كل صوب تلك اللهجة القميئة التي تذكرك بالسلطة المستبدة، تذكرك بالقتلة والمجرمين، وتبعث في نفسك مشاعر القرف والاشمئزاز من استمرار انتشارهم وتواجدهم ومحاولتهم بسط نفوذهم في كل تفاصيل الامكنة.. حول المراكز الحكومية والثقافية والتعليمية والدينية وو.. وبداخلها.. وحتى في مديريات النظافة وأشغال الصرف الصحي!!
(أنا هنا لا أعيب على اللهجة بعينها.. أظن ذلك مفهومًاَ! ولكني أقول قميئة لأن المجرمين -الذين تعرفون- يعمدون إلى استخدامها وإسماعنا إياها ليضعونا في أجواء قذارتهم وإجرامهم اللامتناهي)
مؤخرًا عندما بدأ أهل حمص ينزحون إلى دمشق وأريافها، وصاروا يعيشون بيننا ويدخلون بيوتنا ويشاركوننا بعضًا من تفاصيل حياتنا، كان حريًا بهم التزلف إلى أهالي المناطق الجديدة باستخدام لهجتهم -الرائجة والسهلة- على الأقل، ومن لا يستطيع التحدث بلهجة الدمشقيين؟! لكن الذي كان أننا صرنا نسمع لهجة جديدة تنطلق من ألسنتهم بعفوية ودون تكلف يذكر لتنتشر بيننا،، لهجة تذكرك بأشياءمختلفة تمامًا.. لهجة تضعك أنت وكل معاني العزيمة والثبات والإصرار وجهًا لوجه،، كيف لا وهي لهجة أحفاد ابن الوليد.. أبناء “حومص” الذين ما استطاعت قوى النظام مجتمعة النيل من عزيمتهم أو كسر إرادتهم، وإن استطاعت أن تخرجهم مؤقتًا من بيوتهم تحت ضغط القصف والقتل والتدمير!
صديقي الحمصي الزائر في دمشق هو أحدهم،، أقابله بين حين وآخر،، لكن شأني معه شأني مع كل الغرباء عن بلدتي، أحادثه باللهجة الوسيطة.. لهجة أهل دمشق، هكذا دون تكلف، اعتدت ذلك ولم اعد أجد مشكلة أو عبئًا في التنقل بين اللهجتين –اللهجهة الدارانية واللهجة الدمشقية- بحسب الذي أتحدَث إليه، لقد أصبح ذلك فعلاً أوتوماتيكيًا غير مسيطَر عليه..
-أذكر هنا ان اللهجة الدارانية قريبة جدًا من اللهجة الحمصية
بعيدًا عن اللهجة، فهناك عادات أخرى تميز بها أهل كل منطقة، عادات اجتماعية، حياتيه.. وحتى غذائية…
يخبرني صديقي أنه عندما دخل إلى عند الفوال ليشتري حمص بالزيت للفطور أعطاه الفوال شيئًا آخر لا يشبه الحمص بالزيت الذي عهده في حومص !! هو حمّص صحيح وبالزيت أيضًا.. لكنه مجهز بطريقة مختلفة عما اعتاد عليه .. وقال لي مستغربًا: غريبين الشوام.. شو ما بيعرفو الحمص بالزيت ؟!! (قلت في نفسي والله انت الغريب عن الشام ومو عرفان حالك شو طالب)! .. بعدها فكرت: ولماذا على الحمصي أن يعرف عادات الدمشقيين وأذواقهم وأن يعتادها؟!،، لماذا عليه هو أن يتقدم باتجاههم دومًا؟!.. بعد اليوم كل شيء يجب أن يتغير.. صار لزامًا على الدمشقيين وعلى الحلبيين وعلى أهالي بقية المدن المتكبرة ان ينحنوا -طوعًا أو كرهًا- أمام كبرياء الحماصنة وأن يتنحوا لحمص عن تلك السيادة الاجتماعية -الزائفة- التي أورثها لهم حكم الاستبداد والظلم!
النظام بسياساته وعبر إعلامه كرس هذا التمييز المناطقي وساهم بشكل مباشر في تهميش مدن بكاملها أو اختزالها بصور تافهة أومضحكة أحيانًا ومسيئة أحيانًا أخرى، فالمسلسلات التلفزيونية ذات السطوة الأكبر في التأثير على فكر المجتمع وعاداته، كانت تقدم نموذج الحمصي الهزلي، وابن السويداء سطحي التفكير، وابن درعا البلدي، وابن الجزيرة المتخلف، في مقابل ذلك كانت تهمل الحموي والإدلبي إهمالاً تامًا بينما تقدم الدمشقي –بلهجته الشهيرة- على أنه الوجه الحضاري الأوحد للسوريين!
لقد أسفت كثيرًا عندما علمت ان حمص القديمة -قدم التاريخ- لا تعدّ من السياح سنويًا ما تعده حارة من حارات دمشق العتيقة، وأن أحياء وحواري ومناطق حمص لا يعرف السوريون عنها كما يعرف أبناء حمص عن مناطق بقية السوريين، كل ما عرفته في حياتي عن حمص جامع سيدي خالد والحلاوة الحمصية والكثير من النكات !!
أعود إلى اللهجة.. يعني إن كانت الأعراف تقول ان التحدث بلغة الأقوياء واجب، فهي حقًا أصبحت واجبًا..
يعني أنا لا أدعو إلى الانسلاخ عن لهجاتنا المناطقية، لكني أرغب حقًا في أن تأخذ اللهجة الحمصية حقها في الانتشار والاستخدام كلغة وسيطة للتواصل بين السوريين، وإخراجها إلى مصاف اللهجات المحكية في الوطن العربي.. وأول من أدعوهم إلى ذلك هم “الحماصني” أنفسهم، أن يكفوا عن التحدث باللهجة الدمشقية على وسائل الإعلام وفي المقابلات المختلفة!
كانت كل تلك الأفكار تراودني عندما ألتقي بالضيوف الحماصنة الذين يحطون رحالهم بيننا هذه الأيام.. والآن هي بذرة ألقيها في ترابكم إن شئتم سقيتموها وإن شئمتم تركتموها ، بذرة لمشروع حمصنة السوريين، أي نشر اللهجة الحمصية، وإشهار عاداتهم وثقافتهم الاجتماعية والحياتية بين مختلف السوريين في الداخل وفي الخارج.
مؤكد أن مثل هذه الحملات ستآخد قسطًا كبيرًا من الزمن، لكنها البداية.. وكما سادت تلك اللهجة -التي نكرهها جميعًا- دون ارادتنا وصارت متلازمة مع معاني الرعب والقهر والذل،، فلنسوّد نحن بإرادتنا لهجة جديدة، تعيد إلى أذهاننا معاني الصمود والقوة والثبات وتبعث في نفوسنا التفاؤل، وترسم على وجوهنا بسمة أهلها اللطفاء الظرفاء
الخطوة الأولى، حملة تدوينية حاملة لهذه الفكرة تتبعها حملة إعلامية يقوم بها كل الواصلين إلى الإعلام لا سيما “الحماصني” منهم، وتنشر في المواقع الاجتماعية المختلفة، هذه الحملة تحتاج إلى متابعة مستمرة من أبناء حمص أنفسهم لإحياء الفكرة كلما خبت، ومواصلة العمل على فرض لهجتهم وثقافتهم الحياتية بكل الوسائل المتاحة
ملاحظة: هذه الحملة لا تشمل النكات !! يعني النكات لا يمكن أن تؤلف على غير الحماصنة مهما فعلوا










